أبي حيان التوحيدي
148
المقابسات
لم قال صاحب كل علم : ليس في الدنيا أشرف من علمي الذي أنظر فيه ؟ هكذا تجد الطبيب ، والمنجم ، والنحوي ، والفقيه ، والمتكلم ، والمهندس ، والكاتب ، والشاعر ، قال : وأنا لمكانى من النحو أقول هذا ، وهكذا أجد جميع من سميت ؟ قال الشيخ عيسى بن علي : هذا لأن صورة العلم في كل نفس واحدة ، وكل أحد يجد تلك الصورة بعينها ، فيمدح العلم بها ، ويظن أن تلك الصورة إنما هي لعلمه وحده ، وكذلك صاحبه . وتلك أطال اللّه بقاك صورة العلم الأول ، فأما إذا قسمت العلم كما قسمه أبو زيد أحمد بن سهل البلخي الفيلسوف « 1 » في كتابه « أقسام العلوم » وتتبعت مراتبه فإنك حينئذ تجد
--> ( 1 ) كان في الأصل : « أحمد بن زيد الفجانى » وقد بحثت ونقبت وتحريت وقلبت وجوه التواريخ وأسفار التراجم على أعثر على مسمى لهذا الاسم فلم أقف له على أئر ، فقلبت هذا الاسم على وجوهه من التحريف والتصحيف وما قد يعرض له من المسخ على أيدي أهل النسخ ، فبعد لأي وفقني اللّه إلى وجه الصحة فيه فإذا هو : أبو زيد أحمد بن سهل البلخي . كان من أفاضل الدهر ونوادر الرجال ، فيما بجميع العلوم القديمة والحديثة ، ومع أنه كان يسلك في تصانيفه مسلك الفلاسفة إلا أنه كان بأهل الأدب أشبه ، وإلى طريقتهم أميل ، حتى كان يقال له « جاحظ خراسان » وكان يقال : اتفق أهل صناعة الكلام على أن متكلمي العالم ثلاثة : الجاحظ ، وعلي بن عبيدة ، وأبو زيد البلخي . فمنهم من يزيد لفظه على معناه ، وهو الجاحظ . ومنهم من يزيد معناه على لفظه ، وهو علي بن عبيدة . ومنهم من توافق لفظه ومعناه ، وهو أبو زيد . ولد بقرية من قرى بلخ تدعى سامستيان ونشأ بتلك الانحاء معلما للصبيان ، ثم رحل في طلب العلم فرفعه مقاما عليا . أقام ببغداد ثماني سنين وطوف بالبلدان ولقى كبار العلماء وأعيان أهل - الفضل ، وأخذ عن أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي وتخرج به وبغيره في شتى العلوم والمعارف . ولم يسلم من ألسنة السوء ، ونبذ بالالحاد ، ورمى بالزندقة ، كما اعترف أهل العقل والرأي له باستقامة المذهب وحسن الطريقة . وقد وضع كتابا في نظم القرآن قالوا إنه لا يفوقه في هذا الباب تأليف . وله غير هذا مصنفات عدة ومنها كتاب « أقسام العلوم » الذي أشير إليه في المتن . توفى ببلده عن ثمان وثمانين سنة في عام 322 ه .